فخر الدين الرازي
302
تفسير الرازي
ثم قال تعالى : * ( رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الاَْخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ * عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) * . قوله : * ( ربنا لا تجعلنا فتنة ) * من دعاء إبراهيم . قال ابن عباس : لا تسلط علينا أعداءنا فيظنوا أنهم على الحق ، وقال مجاهد : لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا لو كان هؤلاء على الحق لما أصابهم ذلك ، وقيل : لا تبسط عليهم الرزق دوننا ، فإن ذلك فتنة لهم ، وقيل : قوله * ( لا تجعلنا فتنة ) * ، أي عذاباً أي سبباً يعذب به الكفرة ، وعلى هذا ليست الآية من قول إبراهيم . وقوله تعالى : * ( واغفر لنا ربنا ) * الآية ، من جملة ما مر ، فكأنه قيل : لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : * ( ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ) * ثم أعاد ذكر الأسوة تأكيداً للكلام ، فقال : * ( لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة ) * أي في إبراهيم والذين معه ، وهذا هو الحث عن الائتساء بإبراهيم وقومه ، قال ابن عباس : كانوا يبغضون من خالف الله ويحبون من أحب الله ، وقوله تعالى : * ( لمن كان يرجو الله ) * بدل من قوله : * ( لكم ) * وبيان أن هذه الأسوة لمن يخاف الله ويخاف عذاب الآخرة ، * ( ومن يتول ) * أي يعرض عن الائتساء بهم ويميل إلى مودة الكفار * ( فإن الله هو الغني ) * عن مخالفة أعدائه * ( الحميد ) * إلى أوليائه . أما قوله : * ( عسى الله ) * فقال مقاتل : لما أمر الله تعالى المؤمنين بعداوة الكفار شددوا في عداوة آبائهم وأبنائهم وجميع أقاربهم والبراءة منهم فأنزل الله تعالى قوله : * ( عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم ) * أي من كفار مكة * ( مودة ) * وذلك بميلهم إلى الإسلام ومخالطتهم مع أهل الإسلام ومناكحتهم إياهم . وقيل : تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة ، فلانت عند ذلك عريكة أبي سفيان ، واسترخت شكيمته في العداوة ، وكانت أم حبيبة قد أسلمت ، وهاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى الحبشة ، فتنصر وراودها على النصرانية فأبت ، وصبرت على دينها ، ومات زوجها ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ، فخطبها عليه ، وساق عنه إليها أربعمائة دينار ، وبلغ ذلك أباها فقال : ذلك الفحل لا يفدغ أنفه ،